|
انطوان قسطنطين الحياة 2004/10/29
ء حينما بلغني النبأ القاسي أغمضت عيني وقلت في نفسي لقد مات غسّان من غير أوانه. مات صاحب البسمة الدائمة والضحكة المجلجلة والأناقة الهوليوودية. وكرّت في ذاكرتي يوميات “مونت كارلو” طيلة الأعوام التي جمعتنا في مدينة الحرية تلك الحرية التي افتقدناها في لبنان الثمانينات فازداد تعلقنا بها في باريس.
من شغف السينما والبرامج الثقافية والفنية انضم الينا غسان في قسم الأخبار وبين النشرة والموجز كانت تدور التنظيرات الممتدة من تفسير التاريخ الى استقراء
المستقبل. نختلف أو نتفق ولكن بعقلانية وهدوء وتمسكٍ باحترام الذات والآخر.
لم يكن من السهل في باريس الثمانينات أن ينأى اللبنانيون بأنفسهم عن الأحداث في بلادهم, وكان من الطبيعي أن تتأثر مواقف كل منا بما يجري في لبنان وأن تختلف
الآراء باختلاف المشاعر.
وحينما ينتهي الجدال, يعود ذلك الضاحك الى طبيعته ويروي آخر نكتةٍ سمعها فتستعيد غرفة التحرير روح الإلفة المهنية في الزمن الصعب.
كان غسان عاشقاً لباريس قدر تعلّقه بلبنان, فقد أخذت باريس بعقله وخطفت بيروت مشاعره وغاص جنينه عميقاً في صخور الجبل.
ولا أنسى كيف تنهّد وتنفس عميقاً حينما وصل الى قريتي إهمج في صيف 1994 فانشرح صدره وانفرجت آساريره وراح يحدثني عن أهمية الارتباط بالأرض كفعل انتماء الى
الوجود.
لقد رحل غسان وهو في غربة عن قريته “مجدل بعنا” وعن وطنه لبنان ولست أدري لماذا انتابني شعور أنه رحل مقهوراً, ولكن كبيراً مثلما عاش وكتب وصادق, أخذته الحماسة بعيداً, هو الذي مارس الوفاء عقيدةً في حياته وستبقى لنا نحن رفاق الدرب صورة ذلك الشاب يقلّب أوراق النشرة, يرتشف فنجان القهوة ويضحك.ء
*مراسل “مونت كارلو” سابقاً في بيروت. |